عشاق غير مؤهلين

عشاق غير مؤهلين

عملٌ مؤقت... مجدداً، أجد نفسي مضطرةً للعمل في مكانٍ بعيدٍ كل البعد عن شغفي بالكتابة؛ ربما هي لعنةُ الكُتّاب أن تجتمع موهبتهم بالإفلاس... الأصوات في رأسي تعلو، قصصٌ جديدة، ربما أبدأ روايةً جديدة، لكن يجب أن أوقف الأفكار حيث لا يمكنني تسجيلها؛ أخاف في هذه اللحظة أن تتسرب. أُحدّث نفسي بصوتٍ عالٍ لاإرادياً، ولكن لِمَ لا؟ في هذا المكان بالذات لن يبدو الأمر غريباً وأنا أجرّ قدمَيّ بين أروقة مشفى الأمراض العقلية. كان هذا اليوم ليكون طبيعياً كأي يوم عملٍ آخر—وكل الأيام هنا تحمل الدرجة ذاتها من الجنون—

تنفستُ الصعداء وتابعتُ خطاي نحو غرفة "ميني". عند الباب وقفت "ميني"، العاجزةُ عن التعبير عن نفسها بأي لغة، ولا حتى بلغة الإشارة. وقفت أمامي تتلوى، مخرجةً حروفاً متفرقة لا معنى لها. "ميني" في عمري تماماً، ولا أنكر جمالها الذي يمسحه تماماً غيابُ عقلها ووعيها، أو أيُّ شيءٍ آخر يفصل جزءاً منها عن ذاتها ليحوّلها إلى كائنٍ غير عاقل.

بعيداً عن المهنية، لم أرَ يوماً فارقاً بيني وبينها؛ سوى أنني أفرغ جنوني على الورق فيقابلني الناس باحترام، بينما تفك هي شفرات جنونها بكلماتٍ لا معنى لها إلا في عالمها الخاص. عشرون دقيقة وأنا عالقةٌ أمامها، يتقطع قلبي من امرأةٍ على امرأة، ولو أنها تنطق بكلمةٍ واحدة ذات معنى لأساعدها—لا كمهنية، بل كامرأة. لم يصبني مللٌ ولا فقدتُ الأمل طوال العشرين دقيقة، حتى ملّت هي مني! نظرت إليّ وكأنني كائنٌ غبي، وكأن اللغات الثلاث التي تعلمتها قسراً لأتواصل مع أهل بلدٍ هُجّرت إليه غير كافية، لتطالبني برابعة وتستغبي عجزي عن فهمها. ابتعدت متنهدةً وقد ضاقت ذرعاً بأسئلتي التي لم تلمس طلبها الأصلي، بينما تخطيتُ أنا تجاهلها ودخلت غرفتها لعلّي أجد ما يشير إلى ما تريده.

هذه اللحظات، والدقائق التي قد تمتد لساعات من المحاولات المباشرة للتواصل مع المرضى، كانت لتتحول إلى حدثٍ عابر أنساه تماماً بعد يوم عملٍ طويل، لولا أن "ميني" كانت جازمةً في حاجتها. سمعتُ خطواتها الثقيلة—بل خطوات أربع أرجل—تقترب من الغرفة. حين التفتُّ، وجدتها تقف حيث تركتها قبل دقائق، وإلى جانبها يقف "زازو".

 يمسك يدها، ويستمع للغتها الخاصة بتركيزٍ شديد، كأن العالم لا يضم سواهما. يحني قامته الطويلة ليواجه وجهها، ويردُّ بأصابعه الشعر المبعثر عن عينيها. ولما أنهت حشرجاتها المشوهة الطويلة، استقام في وقفته وتناول سترتها الصفراء من الشماعة المرتفعة التي لم تكن لتصلها بقامتها القصيرة. تجاهلا وجودي ووظيفتي الرسمية تماماً؛ ساعدها على خلع سترتها السوداء، علّقها بعنايةٍ فائقة، وانتظرَته هي كسيدةٍ نبيلة حتى لَفّ على كتفيها السترة الصفراء. لم تضمه "ميني"، فـ "زازو" لا يحب الأحضان، بل اكتفت بالنظر إليه والابتسام. أنا لم أفهم لغة "ميني" أبداً، لكني أستطيع الجزم بأن "زازو" هو بطلها الحقيقي.

بطلُها... ورجلُها.

أنا لم أغر يوماً من أنثى، ولم أحسد فتاةً على حبٍّ لا أؤمن بوجوده أصلاً، لكني لم أفهم كيف وجدت "ميني" حبها بين جدران مشفى للأمراض العقلية، بينما أنا التي استنزفتُ عشريناتي بالسفر والعمل والاجتماعات لم أقابل يوماً حباً ألجأ إليه فيكون لي وطناً ! كيف وأنا التي أصفّ كلماتي متفلسفةً بكل ما قرأتُ وتعلمتُ ودرست، لا أجد في هذا العالم من يفهم لغتي، فيناولني سترتي الصفراء ويراعي رغبتي العميقة في التخلص من السترة السوداء؟

الحب طفيليٌّ يمسخ الرجل إلى كائنٍ اعتمادي، ويحوّل المرأة إلى كائنٍ متوتر. الحب مجرد مجموعة هرمونات تتدفق لتجرّ البشر إلى سَريرٍ يضمن استمرارية جنسهم على الأرض؛ الحب هو كل ما يتقيأه الجسد من حاجات وعُقد وأمراض نفسية. هكذا أقنعتُ نفسي كآلةٍ معدنية لا مشاعر لها، ينفرني كل ما يمس الحب من قريب أو بعيد، تغذيني تجارب فاشلة وأعاصير ذكريات ماضٍ لم أشعر فيه يوماً أنني أُحِب. كيف يصدّق الملحد وجود الله دون أن يراه؟ هكذا أنا، ملحدةٌ بالحب، ومؤمنةٌ بي وحدي... أنا، بكل شخصياتي الداخلية، من أبقينا هذا الجسد على قيد الحياة.

والآن، تُذكّرني "ميني" بحاجتي العميقة للحب، ومقتي لوحدتي وعزلتي.    

علياء حسن 

0 تعليقات

اترك تعليقاً

يرجى ملاحظة أنه يجب الموافقة على التعليقات قبل نشرها.