منذ عامي الثالث، وفي زياراتي لبيت جدي، كنتُ في كل مرةٍ أقف مشدوهةً أمام مكتبته الضخمة،وليس هناك كلمات لتشرح ما تراه طفلة في عمر الثالثة عندما تنظر عالياً لترى آلاف الكتب مصفوفة في رفوفٍ تبدو لا نهاية لها .
أتأملها كوحشٍ أسطوريٍّ مهيب، كبرجٍ شاهقٍ يبعث في قلبي الرهبة، يُحظر عليّ الاقتراب منه أو حتى ملامسة أطرافه .
إلى أن بلغتُ الثانية عشرة من عمري، فانفتحت لي أخيراً أبواب السحر، حين لامست يداي أولَ رواية حقيقية، لتُشرع أبواب قلبي على مصراعيها.
فجأةً، تفجرت الأسئلة في رأسي شلالاتٍ هادرة: كيف لحروفٍ صماء أن تقبض على يدي وحواسي وتطير بي إلى عوالم قصّية؟ أنا العاجزة عن خطّ مئة كلمة في ورقة امتحان بائسة عن الربيع، أجدني أطوي الأرض طياً؛ أتنفس ضباب لندن، وأجوب أسواق السمك في باريس، ثم أرتحل صوب سانت بطرسبورغ، فبيروت، وصولاً إلى ياسمين الشام.
اتخذتُ من الكتب ملاذاً أختبئ في جوفه من دوي الحرب ونيران الموت المتساقطة في شوارع مدينتنا.
غير أن القنابل لم تُمهلني لألتهم بقية الحروف؛
تناهت إلى مسامعي همساتُ البالغين المذعورة بضرورة الخلاص من "الكتب الممنوعة قبل مجيئهم".
من هم؟ ولماذا؟ وهل ثمة من يمكنه منع الكلمات؟!
وفي الوقت الذي توسع قلبي وفاض فضولاً وضعوا بين يديّ رواية "الزوبعة" لزياد القاسم وقبل أن أنهي جزئها الثاني...
اشتعل جنون الحرب.
هرعتُ إلى أحضان وحشي العظيم أبحث عن الأمان، لأُفجَع بهم يمزقون أوصاله ويضعون روحه في صناديق باردة.
نقلوها خفيةً بحذرٍ عبر حواجز الرعب، وأشعلوا فيها النيران في المزرعة.
هناك، أحرقوا "حارس البيت"، وقدّمت عائلتي الشهيدَ الأول قرباناً لنجاتنا جميعاً.
اليوم، ومن منفاي في مدينة ألبي الفرنسية، شرّعتُ أبواب عوالمي على مصراعيها، لأهب الحرفَ العربي فضاءً حراً نقياً لا تكبله أي قيود — حيث لا نقدم إبداعنا قرباناً
علياء حسن — مؤسسة دار عوالم رؤيا
ألبي، فرنسا
1 تعليق
بداية جميلة وموفقة