الليل في باريس – الجزء الثاني

الليل في باريس – الجزء الثاني

تلامس الحافة السفلية لحذائه آخر درجات السلم الحجري المبلل، حيث تلتقي البرودة القاسية بنهر السين المظلم. تتكسر أضواء الشارع البعيدة على سطح الماء المهتز، ويتردد صدى أنفاسه المتسارعة في سكون الليل المطبق.

تنفرج الأمواج الخفيفة عن تلك الكتلة الغامضة، لتنساب بنعومة نحو الدرجات الحجرية. يتبدد الشك من عقله حين يرتفع من قلب العتمة وجهٌ أنثوي ناصع الملامح، تغطيه خصلات شعر داكنة كالليل تلتصق بجبهتها وعنقها المبتل. لا تشبه كائنات الأرض في هدوئها الملكي، وتنبعث من وجهها الشاخص هالة أثيرية تخترق ظلام الشاطئ.

يجثو سامي على ركبتيه فوق الرصيف المشبع برطوبة المطر. يغيب البرد عن حواسه، وتتلاشى مخاوفه أمام هيبة اللحظة. يمد يده المرتجفة ببطء نحو حافة الماء، فتستجيب هي بكتفيها الانسيابيين، وترفع رأسها حتى تلامس أطراف أصابعه خصلات شعرها المبللة المترعة برائحة النهر والأسرار.

تسري في جسده شرارة خاطفة، تتأجج كتيار كهربائي يتفقّد عروقه المتجمدة. تتشقق غيوم العجز في عقله، وتبدأ المشاهد والصور في التدافع متلاطمة داخل مخيلته. تنفتح أبواب العوالم المغلقة في رأسه؛ تتزاحم الكلمات، وتتخلّص أصابعه من قيودها القديمة. تشتعل في عروقه جذوة إبداعية تجرف جفاف الأشهر الماضية في ثوانٍ معدودة.

تتعالى شهقاتها القريبة من روحه، وتتجول كفاها الباردتان على جسده كأنها تستكشف كائناً غريباً بتأنٍ مريب. تدور الأرض حوله، يدنو القمر منه، وتملأ حواسه بفيض من النشوة والذهول. ينتفض جسده المتعب بلذة مفرطة تطغى على إدراكه، حتى ينتبه فجأة إلى وجهها... جفناها ملتصقان ببعضهما تماماً بلا انشقاق! يحاول الصراخ، يستغيث، لكن حنجرته تعجز عن إطلاق أي صوت، ويتحول لسانه إلى حجر.

وما إن تهدأ المخلوقة وتتراجع عنه، حتى يفتح جفنيه الثقيلين كأنه يبصر لأول مرة في حياته؛ تتغير درجات الألوان من حوله، وترتسم أمامه جغرافية جديدة للرؤية، بينما تستقر عيناه على ظهر المخلوقة غير واضحة المعالم، وهي تتركه متكوراً على نفسه فوق الصخر المبلل.

تنزلق بنعومة نحو العتمة العميقة دون أن تترك خلفها سوى دوائر متسعة تنبض على سطح الماء. يختفي جسدها السحري في الأعماق، ويخيم الصمت المطبق على ضفاف "جسر الفنون" مجدداً. ينهض سامي بصعوبة وهو يتأمل أصابعه المبتلة، ويلتقط أنفاسه الثقيلة كمن عاد توّاً من رحلة إلى غيابات الغيب.

ينفض عنه الذهول، ويهرول صاعداً الدرج الحجري بخطوات متسارعة. لم تعد المسافة إلى شقته في بيلفيل تشكل عائقاً، ولم يعد الهواء البارد يرهق رئتيه. يركض مدفوعاً برغبة محرقة في الإمساك بالقلم، يلاحقه سؤال يلتهم عقله: أهي مخلوقة أسطورية خرجت من أحشاء النهر، أم مجرد وهم تجسد لإنقاذ روحه؟

ومع بزوغ أولى خيوط الفجر، يجد نفسه عاجزاً عن الاكتفاء بالكتابة؛ بعض الأمور لا يمكن وصفها بحروف وكلمات.

0 تعليقات

اترك تعليقاً

يرجى ملاحظة أنه يجب الموافقة على التعليقات قبل نشرها.