الليل في باريس | الفصل الأول: المعجزة

الليل في باريس - الفصل الأول: المعجزة - قصة مصورة

تتصلب يدُ سامي على المقبض الحديدي البارد. لا حراك. ينظر عبر القضبان الشبكية لمحطة “أوبيرا” المعتمة، فيتطاير زفيره كدخان أبيض يضيع في هواء ديسمبر القاسي. تشير عقارب الساعة إلى الواحدة وثمان وأربعين دقيقة صباحاً. ينفتح أمامه شارع عريض يغرق في أضواء صفراء خافتة تنعكس على الأسفلت المبلل، ليفضي في أقصاه المظلم إلى شقته الموحشة في حي “بيلفيل”.

يرفع ياقة معطفه الأسود، يجر قدميه المثقلتين بالخيبة، ويبدأ مسيرته المجهدة على الرصيف المهجور. تصدى في جنبات رأسه أصداء حوارات الليل، وتتصارع في داخله نبرتان مع كل خطوة تتوق إلى الدفء: “خمس دقائق فقط! أضعتها في جدال عقيم داخل المقهى حول بنية الرواية وتفكيك الشخصيات الكلاسيكية، وها أنت تذوق مرارة المشي ليلاً في هذا البرد الذي يخترق العظام!”

يمشي سامي، وتلاحقه صورة مكتبه الخشبي الرابض في زاوية الغرفة، حيث ترقد مسودة روايته الثانية منذ أشهر دون أن تكتمل. يمتد جفافه الإبداعي كصحراء قاحلة؛ صمت يكبّل أنامله، ومحبرة تجف فيها الكلمات، وعقل يفرز الصدأ أمام كابوس الصفحات البيضاء. يتحول سخطه من الباب الشبكي المغلق إلى جلد أعمق لذاته؛ كيف لكاتب يسكن قلب باريس أن يفقد صوت الحكاية؟ كيف تنطفئ مخيلته وسط مدينة تتنفس الأساطير من كل حجارتها؟

تتواتر ضربات حذائه على الحصى المبلل، تقوده قدمه نحو ضفاف نهر السين. وعند حافة “جسر الفنون”، تجبره حركة غير مألوفة على التوقف المفاجئ. يكسر سكون الماء شيءٌ لا يخضع لجغرافيا المدينة ولا لفيزياء الواقع. تطفو على سطح النهر كتلة غريبة، ذات ملامح أنثوية تغوص ببطء في العتمة ثم تخرج مجدداً كأنها تنبض برئة خفية.

يتسمر سامي في مكانه. تتسع حدقتاه، ويهرب الهواء من رئتيه. تتوقف دوامة اللوم في عقله فجأة، ويحل محلها ذهول مطبق. تنظر عيناه المجهدتان إلى كتلة شعر تقترب ببطء نحو الضفة الحجرية، محطماً قوانين الليل والمنطق. يدرك في أعماقه أن الخطوة العاقلة الوحيدة تقتضي المضي قدماً نحو شقته وتجاهل ما يرى، لكن روح الكاتب في داخله تتعطش لمعجزة تنتشلها من هذا الموت السريري.

يقف على حافة السور الحجري، يرقب الكتلة وهي تشق الماء بنعومة، تخطو قدماه أولى الخطوات المترددة نحو درجات النهر السفلية.

إن الفضول هو العدو الأزلي للبشرية، لكنه الشعلة الوحيدة التي تدفعنا نحو الهاوية... أو نحو الخلاص. 

يتبع...

علياء حسن

 إن نص هذه الرواية محفوظ الحقوق لدار عوالم رؤيا للنشر  نوفره مجاناً للقراءة لا لنسخ و إعادة النشر  

مع تحيات فريق عوالم رؤيا للنشر 

 

 

0 تعليقات

اترك تعليقاً

يرجى ملاحظة أنه يجب الموافقة على التعليقات قبل نشرها.